ما هو تعريف علم الكلام؟
“ومما ذكره العلماء في تعريف الكلام:
أولًا: ما وضّحه الإمام العضد في كتاب المواقف في علم الكلام، حيث قال: “الكلام علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه”.
ووضح أن المراد بالعقائد ما يقصد به نفي الاعتقاد دون العمل، أي ما تتعلق به النفس تعلّقًا تامًّا بغض النظر عن ترتب العلم عليه، أو كونه مقصودًا لكونه شرطًا للعمل بالأركان، فهو مقصود الاعتقاد به لذاته، وهذا كما هو واضح لا يمنع ترتب العمل وانبناءه عليه، ولكن لا من الحيثية المشار إليها.
والمراد بالدين: الدين الذي أنزله الله تعالى على يد نبيه محمد عليه أفضل الصلاة والسلام.
ولا بد في اعتبار كون العقائد دينيه؛ كونها منسوبة إلى الدين نسبة لا تناقض المقطوع والضروري من الدين، ولذلك فلا إشكال في إدخال المختلفين في بعض المسائل في علماء الكلام؛ كالمعتزلي والأشعري اللذين يختلفان في بعض المسائل، ولكن اختلافهما لا يستلزم رفع صفة المتكلم عن أحدهما، لأن كليهما يدّعي أن العقائد التي يقول بها مأخوذة من الشرع، ولأن أحدًا منهما لا يخالف معلومًا من الدين ضرورة، بخلاف الفرق الباطنية التي تزعم أن عقائدها مأخوذة من الدين أو موافقة له، ولكن ما يقولون به إذا حقق؛ يوجد مخالفًا للمعلوم أنه من الدين، فلا يكفي زعمهم لتصحيح النسبة، بل لا بدّ من التحقق من عدم مخالفة قطعيات الدين..
ثانيًا: ما عرفه به الإمام التفتازاني في شرح المقاصد: “الكلام هو العلم بالعقائد الدينية عن الأدلة اليقينية”.
ولا شك أن العلم بالعقائد في الكلام يلاحظ فيه أخذها عن أدلتها ولذلك ذكر في التعريف (عن)، ولا بد أن تكون الأدلة يقينية؛ لأنه لا يفيد بناء الدين على أصول غير يقينية، وأصول العقائد يجب أن تكون يقينية من جهة بنائها، فلا يكفي أخذها مسلّمات، كما يزعم بعض المعاصرين، من أنه يكفي إرادة الاعتقاد لتصحيح الاعتقاد، بناء على أنه لا يوجب حق ولا باطل في العقائد جميعها، وهي نظرة العلمانية المعاصرة الإلحادية إلى علم التوحيد، ولا ينبغي أن تتسلل إلى أفكار بعض الإسلاميين ظانين أنها هي المنجية للمسلمين عن الخلاف أو الجدل أو التنازع..
ثالثًا: ما ذكره الإمام السنوسي في شرح السنوسية الكبرى بقوله: “هو العلم بأحكام الألوهية وإرسال الرسل وصدقها في كل أخبارها وما يتوقف شيء من ذلك عليه خاصًا به وتقرير أدلتها بقوة هي مظنة لردّ الشبهات وحل الشكوك”.
فيدخل في علم الكلام الأدلة المباشرة القائمة على العقائد الدينية، وما تنبني عليه تلك الأدلة من مقدمات، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ووسائل المقصود مقصودة إن لم تكن لذاتها.
وليس الهدف هنا استقصاء البحث في تعريف الكلام، ولكن المقصود ملاحظة جوهر الكلام، وغايته:
فجوهر الكلام هو الحفاظ على العقائد الدينية، والمراد بالعقائد الدينية المأخوذة من الدين التي لا شك في نسبتها، وقد يقع اجتهاد للمتكلم في أثناء بحثه لتحرير الحق في الاعتقاد، فيقرر مقولات يقيم عليها الأدلة التي يظنها قطعية أو صحيحة، وقد يكون موافقًا للأمر في نفسه أو مخالفًا مبطلًا، ولكن القدر المشروط هنا هو عدم مخالفته للمقطوع من الدين، ومن الواضح أن تقرير عقائد الإسلام لا يتم إلا بالإتيان بالادلة عليها، كما لا بد من دفع الشبه الواردة عليها، وإبطال حجج المخالفين، فيتلخّص أن وظيفة المتكلم مشتملة على جانبين:
الأول: تقرير ما ثبت أنه الحق في الإسلام.
الثاني: دفع حجج المخالفين ولو تقديرًا.
