هل يلزم اتباع السنة النبوية والتسليم لما جاء فيها؟

قال باسل:
أواجه بعض منكري السنة والمتسمّين بالقرآنيين، وقد واجهت هذه الشبه الجديدة وأحب أن أستشيركم فيها: حيث قال لي: “أنا أريد أن أسألك سؤالًا: هل السنة شيء أم لا؟ فإن قلت: نعم هي شيء، فاسمع هذه الآية: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا)، وإن كانت إجابتك: لا شيء، فلماذا نتبع الضلال والتخبط؟”
فما الرد على هذه الشبه؟

فأجاب الأخ: أحمد محمود علي:
أيها الأخ الكريم حماك الله وأيدك، أولًا: اعلم أن ما أكتبه ليس ردًا لسؤالك وإنما هي خواطر دارت في رأس أخيك الذي يُعدّ طالب علم مجازًا.
أما الجواب على سؤالك؛ فها أنا أقف كتفي لصيق كتفك ننتظر ما يتفضل علينا به أهل العلم من شيوخ وطلاب.
وثانيًا: من المطلوب حقًا أن يتدرب طلاب العلم على نقض كلام المخالفين ودحر شبههم المتهافتة، ولكن لا بد من تحصيل مبادئ البحث ومعايير العلوم وآداب النظر، مع الاستمرار في تحصيل العلم على يد المشايخ ومقالاتهم وكتب الأئمة والمتون والشروح والحواشي والتأمل والنقاش، والأمر ليس عسيرًا شاقًّا، وإنما هي حياة الروح وغذائها الرائق، واللذة التي لا تعدلها في الدنيا لذة إلا لذة المعرفة كما قال أهل الله رضي الله تعالى عنهم.
ثالثًا: من وجهة نظري أنك إذا أردت أن تناقش صاحب الشبهة؛ فلا بد أن تأتوا البيوت من أبوابها، ومع سخافة تلك الشبهة اللاشبهة، فإنها متفرّعة عن الكلام في حجية السنة النبوية الشريفة كمصدر من مصادر التشريع الإسلامي، وهذا البحث هو بحث أصولي، أي أنك تجده في كتب علم أصول الفقه.
رابعًا: يمكن أن يجاب على تلك السخافة بما يلي:
1 ـ نعم السنة شيء، لا ينكر وجودها إلا سفسطائي أجرب، وأما الآية الكريمة فليس فيها أدنى دليل على عدم حجية السنة، وقد كان من الواجب على المخالف بيان وجه الدلالة منها ولكنه لم يفعل، لذا فسوف أحاول أن أفترض وأجيب كما ترى:
أ ـ السنة شيء، وقد نهى الله أن نعبد معه شيئًا، إذًا فقد نهى الله تعالى أن نعبد السنة، هذا هو ما تدل عليه الآية إذا وجهها المخالف.
ب ـ وتكملة الاستدلال أن يقال: والعبادة هي الطاعة والانقياد، فمن أطاع السنة وانقاد لها فقد عبدها، ولكن عبادتها منهي عنها بالآية، إذًا فالانقياد لها منهي عنه.
وهو مطلوب المخالف، والجواب على هذا الهراء أن يقال:
ـ في قوله تعالى: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا)، عمومٌ؛ لوقوع النكرة في سياق النهي (النفي) والنكرة هي قوله تعالى: (شيئًا)، وهذا العام يشمل جميع أفراده التي يصدق عليها، قطعًا أو ظنًا (خلاف بين السادة الحنفية والسادة الشافعية).
ومهما قلنا بأي القولين، فثمرة الخلاف ليست متواجدة في هذه المسألة؛ إذ أن ثمرة الخلاف هي: هل يجوز تخصيص العام القطعي الثبوت بالخاص ظني الثبوت أم لا؟ بالأول قالت الشافعية والجمهور، وبالثاني قال الحنفية.
ـ لو تأمل هذا المخالف؛ لعلم أن الآية التي يستدل بعمومها قطعية الثبوت عورضت بخصوص آيات أخرى قطعية الثبوت أيضًا، ولو ظل الأمر هكذا لكان في الكتاب الكريم تعارض حقيقي وهو محال، فيجب حينئذ الترجيح، وذلك مثلًا بتخصيص العام بالخاص على تفصيل في كتب الأصول.
ـ فوجب أن يخصص عموم (شيئًا) بخصوص الآيات الأخرى التي تأمرنا بالانقياد والتسليم لأمر رسول الله عليه أفضل الصلاة والتسليم.

2 ـ يمكن معارضة استدلال المخالف بما يلي:
هل القرآن الكريم شيء أم لا؟، إن قلت: نعم هو شيء، فاسألك: هل هو الله تعالى أم لا؟، إن قلت لا، قلت لك: فحينئذ يدخل في عموم الآية، ويكون منهي عن الانقياد له أيها القرآني الذي يبرأ منك القرآن العظيم، وإن قلت: نعم بمعنى هو أمر الله، قلت لك: بالطبع الأمر شيء غير الآمر به، فيدخل الأمر في عموم الآية، ويكون منهيًا عنه، وإذا علمت هذا تبين لك أن القرآن بريء منك ومن أمثالك، أما العلم والعقل فهيهات أن تشموا لهما رائحة من بعد سبعين خريفًا أيها المزكوم.
أعتذر عن تسرعي بكتابة ما كتبت ولكنني ما تحملت السكوت، فأعتذر للشيخ العلامة وطلابه النوابغ، حفظ الله الجميع وأثابهم، وأتمنى أن أكون قد وفقت فيما كتبت، وبانتظار تعليق الشيخ العلامة وتلامذته النوابغ.

علق الاخ جمال:
الأخ باسل:
اتباع القرآنيين لا يعول عليهم وليس لهم وجود فعلي في الساحة الإسلامية؛ لأنه كما لا يمكن إقناع مسلم بوجود نبي بعد محمد عليه الصلاة والسلام لا يمكن إقناع مسلم بترك السنة النبوية، وتاركوا السنة النبوية إنكارًا لها كفار ولا يخالف أحد في ذلك.
أما أسلوبهم في النقاش، فهم يركزون على بعض الأحاديث التي من باب “مشكل الحديث”، ثم يتخذون ما يعتبرونه تناقضًا أساسًا لمهاجمة السنة كلها، ولا فرق في هجموهم بين الهجوم على البخاري ومسلم، أو أي كتاب أقل درجة منهما.
ونصيحتي هي عدم الدخول معهم في نقاش أبدًا، فلا يوجد مسلم يمكن أن يقبل دعوتهم أبدًا، أما إذا جاءك مسلم بسيط هو رافض لقولهم قطعًا وطلب توضيح شبهة أثاروها، فعليك بأي كتاب في أصول الفقه ككتاب أبي زهرة مثلًا، ففيه بحث حجية السنة كدليل ثان مع القرآن الكريم.
أما بالنسبة للآية: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا)، فإن استدلال مُناقشك بها في غير محله، ولا يرقى لأن يُناقش، ولكن يا أخي الآية تتحدث عن عبادة الله والاشتراك معه يكون بعبادة إله آخر كالأصنام مثلًا، أو إسناد صفات إلهية لغير الله، ولم تتحدث عن عبادة القرآن والطلب بعدم الإشراك بعبادة القرآن باتخاذ السنة معه، هذا استدلال تافه، ولا يمكن أن يكون معنى الآية (التزموا بالقرآن ولا تشركوا معه التزامكم بالسنة)، هذا تفسير تافه وبعيد، وكان يمكن لله عز وجل لو أراد ذلك أن يذكر القرآن صراحة في الآية.

وعلّق فضيلة الشيخ سعيد فودة – حفظه الله تعالى – على ما سبق:
أشكرك أيها الأخ أحمد على هذه الروح الوثابة والكلام المتين، والعقلية المنظمة، كلامك مفيد، وأنت أيها الأخ الفاضل جمال، فكلامك لطيف كاف، ولكن أحببت هنا أن أقول بعض ما يتمم ما ذكرتماه، هذا السائل الذي يسألك مثل هذا السؤال أيها الأخ الفاضل، إما متلاعب وسفسطائي، أو لا يدري ما يقول، ولكن نحن أُمرنا أولًا بالبيان: فهاك البيان:
كل موجود فهو شيء، والسنة موجودة فهي شيء، ولكننا نعلم أن السنة النبوية هي وحي من عند الله تعالى أيضًا بالمعنى، لأن النبي عليه السلام لا يخطئ في الأمور الدينية؛ لثبوت العصمة له فيها، وهذا صحيح سواء كان يجتهد برأيه أو لا.
والقرآن المنزل على سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، أيضًا موجود وهو غير الله تعالى، فهو متألف من حروف وأصوات، ولكنه من عند الله تعالى أنزله بعلمه وأمره وإرادته دالًّا عباده به على ما فيه خيرهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ونحن نعمل بالقرآن ونعمل بالسنة، أي إننا نستمد الأحكام الشرعية من القرآن والسنة، وعملنا بالكتاب والسنة، ليس عبادة للكتاب والسنة، بل هو عبادة لمن أمرنا باتباع الكتاب والسنة.
والآية التي أتى بها هذا السائل، تنهى عن عبادة شيء غير الله تعالى، فلم يقع أخذنا بالكتاب والسنة كمصادر للأحكام الشرعية تحت عموم هذه الآية الكريمة، بل أخذنا بهما متناسب مع لوازم الآية الكريمة، حيث أمرتنا بعبادة الله تعالى وحده، ونحن إنما نأخذ بالكتاب والسنة لأن الله تعالى أمرنا بالأخذ منهما، فالتزامنا بهما تحقيق لعبوديتنا لله تعالى وحده، فلولا أن الله تعالى أمرنا باتباع الرسول والأخذ منه، لما كان اتباع كلامه واجبًا، وبهذا يتحقق لديك أيها الأخ أن الآية تدل على خلاف ما يريد هذا السائل، ويمكن أن نقول المزيد حول هذه الآية، ولكن أرجو أن يكون هذا كافيًا، والله الموفق.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *